سبب انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية بعد زيارة نتنياهو

في خطوة مفاجئة أثارت جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية الدولية، أعلنت الحكومة المجرية رسميًا عزمها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعد ساعات من استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في العاصمة بودابست، الخميس 4 أبريل 2025.

الإعلان عن انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية جاء على لسان جيرجيلي جولياس، مدير مكتب رئيس الوزراء المجري، أعاد تسليط الضوء على علاقة المجر بإسرائيل، والنظرة الأوروبية للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة بعد إصدار الأخيرة مذكرة توقيف بحق نتنياهو بتهم تتعلق بـ”جرائم حرب في غزة”.

ما هو سبب انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية؟

بحسب البيان الرسمي الصادر عن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، فإن السبب الأساسي وراء قرار الانسحاب يتمثل في أن المحكمة الجنائية الدولية لم تعد “محكمة محايدة“، بل أصبحت “أداة سياسية“، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن قرار توقيف نتنياهو يفتقر إلى الأسس القانونية ويخدم أجندات سياسية.

ويعتبر هذا التصريح تأكيدًا لموقف الحكومة المجرية الرافض لتنفيذ مذكرة التوقيف، رغم كونها عضوًا موقعًا على نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة.

هل لزيارة نتنياهو  علاقة بالقرار المجري؟

اللافت أن إعلان الانسحاب جاء بعد أقل من 24 ساعة على وصول نتنياهو إلى بودابست في زيارة رسمية طال انتظارها منذ دعوته في نوفمبر 2024، بعد يوم فقط من إعلان المحكمة مذكرتي التوقيف بحقه وبحق وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

الاستقبال الحافل الذي حظي به نتنياهو، والذي شمل موكبًا عسكريًا رسميًا وحضور كبار الشخصيات، يعكس متانة العلاقات السياسية بين تل أبيب وبودابست، ويدفع للاعتقاد بأن قرار الانسحاب جزء من دعم دبلوماسي مباشر لإسرائيل من قبل الحكومة المجرية.

رد المحكمة الجنائية الدولية

لم تمر الخطوة دون رد فعل، إذ سارعت المحكمة الجنائية الدولية إلى تذكير المجر بأنها ما زالت ملزمة قانونيًا بالتعاون مع المحكمة، طالما لم يتم تقديم وثيقة انسحاب رسمية إلى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة.

ووفقًا للمحكمة، فإن انسحاب أي دولة لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد مرور عام كامل من تاريخ الإيداع الرسمي لطلب الانسحاب، ما يعني أن المجر – حتى اللحظة – لا تزال مُطالبة بالتعاون الكامل مع المحكمة.

هل انسحبت دول أخرى من المحكمة من قبل؟

ليست المجر الدولة الأولى التي تسعى للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، فقد سبقتها:

  • بوروندي: أول دولة تنسحب رسميًا عام 2017، بعد فتح تحقيقات تتعلق بجرائم تعذيب وقتل.
  • الفلبين: انسحبت في 2019 بأمر من الرئيس رودريغو دوتيرتي بعد اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

هذه السوابق تُظهر أن الانسحاب من المحكمة ليس إجراءً غير مسبوق، لكنه يعكس دومًا توترًا في العلاقة بين المحكمة وبعض الدول التي ترى فيها تهديدًا لسيادتها أو مصالحها السياسية.

الدعم الأميركي لخطوة المجر

انسحاب المجر جاء أيضًا في سياق دعم ضمني من الولايات المتحدة، حيث سبق للرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب أن فرض عقوبات على المحكمة، شملت تجميد أصول مسؤولين فيها، بعد أن باشرت في تحقيقات ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل.

ما حدث في بودابست هو جزء من شبكة ضغط دولي على المحكمة الجنائية الدولية، حيث تتبنى قوى كبرى الرأي القائل بأن المحكمة تفتقر إلى الشرعية القضائية وتُستخدم كأداة سياسية.

هل الانسحاب من المحكمة الجنائية يعفي من الالتزام؟

بحسب بنود نظام روما الأساسي، فإن الدولة المنسحبة تبقى ملزمة بتنفيذ أي قرارات قضائية أو مذكرات صادرة قبل دخول الانسحاب حيّز التنفيذ، وهذا يعني أن المجر – حتى لو انسحبت رسميًا – تظل قانونًا مطالبة بتنفيذ مذكرة توقيف نتنياهو طالما لم يُستكمل الانسحاب.

لكن فيكتور أوربان صرّح أن بلاده لم تُفعّل التزامات المعاهدة دستوريًا، وبالتالي فهي ترى نفسها غير ملزمة بالتنفيذ، رغم توقيعها على المعاهدة منذ 1999.

ماذا يعني القرار سياسيًا؟

يمثل انسحاب المجر ضربة موجعة لـ مشروع العدالة الجنائية الدولية، ويفتح الباب أمام دول أخرى قد تحذو حذوها.

القرار يبعث برسالة مفادها أن المحكمة لم تعد تحظى بالثقة الكاملة من بعض أعضائها، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالقضايا المرتبطة بإسرائيل أو دول الغرب.

كما أنه يُظهر أن المحكمة، رغم أهدافها السامية، تفتقر للأدوات التنفيذية القوية، ما يجعلها عُرضة للهجمات السياسية، ويُعزز من الشعور العام بعدم جدوى مذكرات التوقيف في حال لم تحظَ بدعم دولي كافٍ.

بين الحيثيات القانونية والتفسيرات السياسية، يبقى انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية تطورًا خطيرًا قد يعمّق الانقسامات الدولية حول شرعية المحكمة.

وبينما تُواصل المحكمة إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة يُشتبه في ارتكابهم جرائم حرب، يتزايد الضغط السياسي والدبلوماسي لتقويض سلطتها، مما يُهدد مستقبل العدالة الدولية كما نعرفها اليوم.

أحمد سيف

كاتب موهوب يمتلك أسلوبًا متميزًا في الكتابة، يتناول مختلف المجالات بدقة ووضوح،مُبدع يُتقن صياغة الكلمات بأسلوبٍ شائقٍ وجذابٍ ليُبحر بك في رحلةٍ معرفيةٍ غنيةٍ تتنوع فيها الموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى