فعاليات و موعد اليوم العالمي للمسرح 2025: رسالة من القلب إلى الخشبة

في كل عام، يحتفي العالم في السابع والعشرين من مارس بيوم لا يشبه سواه: اليوم العالمي للمسرح. إنه اليوم الذي تتلاقى فيه الخشبات، وتتفتح فيه الأرواح على لغة أزلية تتجاوز الحروف، لتمس جوهر الإنسان وتخاطب قضاياه وهواجسه. وفي عام 2025، يعود هذا الحدث العالمي بحلة استثنائية إلى مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل، حيث يُقام الاحتفال الرسمي برعاية اليونسكو والمعهد الدولي للمسرح.
تحت شعار “المسرح والحياة على الحافة”، يتجه المسرحيون من مختلف القارات للاحتفاء بروح الفن الرابع في زمن التقلبات. إنه لقاء لا يحتفي فقط بالعرض، بل يطرح الأسئلة المصيرية حول دور المسرح في عصر الذكاء الاصطناعي، والبيئة المنهكة، والعزلة الاجتماعية الرقمية.
فعاليات احتفالية متجددة في قلب البرازيل
تستضيف ريو دي جانيرو من الخميس إلى الأحد برنامجًا مكثفًا من العروض المسرحية وورش العمل والنقاشات الفنية، يشارك فيه فنانون من كوريا الجنوبية، الصين، تشيلي، تايلاند ودول أخرى. ومن بين أبرز ملامح الفعاليات:
- ورش فنية حية مع كبار المسرحيين حول “مستقبل النص المسرحي” و”المسرح الرقمي”.
- عروض مسرحية تجريبية تستلهم قضايا البيئة والهوية والثقافة.
- ندوات فكرية حول حرية التعبير وحقوق الفنانين، والتعاون الثقافي العالمي.
- حلقة تكريمية للمخرج ثيودوروس تيرزوبولوس، الذي يلقي رسالة اليوم العالمي للمسرح لهذا العام.
رسالة اليوم العالمي للمسرح 2025: نداء من أعماق الذات البشرية
المخرج المسرحي اليوناني الكبير ثيودوروس تيرزوبولوس اختير ليكون صاحب الرسالة العالمية لهذا العام، وقد أطلق من خلالها تأملات عميقة في واقع المسرح والإنسان. الرسالة حملت تساؤلات كبرى:
- هل ما زال المسرح قادرًا على الإصغاء لنداءات الاستغاثة في زمن العزلة الرقمية؟
- هل يستطيع أن يتحول إلى طرف فاعل في مواجهة الكوارث البيئية؟
- هل يبقى حارسًا للوعي في زمن الفوضى الإعلامية؟
- ويضيف تيرزوبولوس بنبرة شاعرية قلقة:
“نحن في حاجة إلى أساليب سردية جديدة، تهدف إلى إحياء الذاكرة وصياغة مسؤولية أخلاقية وسياسية جديدة، للخروج من الديكتاتورية متعددة الأوجه لعصور الظلمات الحديثة”.
ديونيسوس يعود من جديد… المسرح كطقس كوني
لم تكن الرسالة خطابًا فقط، بل طقسًا استدعائيًا للإله الإغريقي ديونيسوس، رمز التناقضات والجنون والفطرة. لقد جاء ديونيسوس إلى خشبة المسرح مجددًا، حاملًا سؤالًا وجوديًا هائلًا: “ما معنى كل هذا؟”، كأنه يدعونا إلى إعادة خلق الحكاية من جديد.
المسرح والبيئة: صوت الكوكب على الخشبة
أحد محاور اليوم العالمي هذا العام كان ارتباط المسرح بالقضايا البيئية. إذ سلطت العروض الضوء على:
- الاحتباس الحراري وتداعياته الاجتماعية.
- فقدان التنوع البيولوجي وانقراض الثقافات المحلية.
- حرائق الغابات والمحيطات الملوثة، ككوارث تعكس تدهور الإنسان لا الطبيعة فقط.
المسرح والهوية الرقمية: مقاومة الاغتراب الحديث
في زمن تتحول فيه الأرواح إلى ملفات رقمية والعلاقات إلى إشعارات، يقف المسرح كمساحة للحميمية الإنسانية. وجاءت بعض العروض لتُجسّد:
- الانعزال القسري بفعل التكنولوجيا.
- صراع الإنسان مع الآلة.
- العودة إلى الذات كفعل مقاومة.
- أطفال المسرح: صوت جديد يولد
- لم تغب الطفولة عن مشهد الاحتفال. فقد نظّمت فعاليات مخصصة للأطفال، شملت:
- مسرحيات تفاعلية.
- ورش تمثيل ورسم تعبر عن العيد المسرحي بلغة البراءة.
- مبادرة “الطفل كناقد” لتعليم الأطفال كيف يشاهدون المسرح بعيون فكرية.
المسرح العربي في اليوم العالمي 2025
شاركت مجموعة من الفرق المسرحية العربية بأعمال جسدت الصراعات السياسية والإنسانية في المنطقة. من بين أبرز المشاركات:
- عرض من فلسطين يجسد النكبة كحكاية معاصرة.
- مسرحية من تونس عن حرية التعبير بعد الثورة.
- عرض سوري يحاكي لجوء الإنسان إلى الذاكرة للهروب من الواقع.
المسرح… صوت لا يموت
رغم كل الأسئلة المفتوحة، يثبت المسرح عامًا بعد عام أنه لا يُقهر. يبقى المكان الوحيد الذي نستطيع فيه أن نبكي ونضحك ونثور ونحلم، دون مرشح أو خوارزمية. يبقى مساحة للشفاء، للبوح، وللعودة إلى الإنسان.
في الختام…
اليوم العالمي للمسرح 2025 لم يكن مجرد احتفال، بل لحظة إنصات عالمي لصوت الفن العميق فينا. لحظة تذكير بأننا بشر، نحتاج إلى بعضنا البعض، إلى القصة، إلى الكلمة، وإلى الصمت المدوي الذي يخلّفه تصفيق الجمهور بعد نهاية العرض.
فلنطفئ الأضواء قليلًا، ولنسمع ما يقوله المسرح… علّه يجيب على السؤال الكبير: من نحن؟